نار على الرف
بقلم Tonkix

**نار على الرف**
كانت الأمطار تهطل في ستائر ثقيلة فوق المدينة، حجاب رمادي يحول الشوارع إلى أنهار مرتجلة. أسرعت لارا خطاها، وكعبيها يغوصان في البرك التي تشكلت بين حجارة الرصيف، وقماش فستانها الرقيق يلتصق بفخذيها مع كل هبة ريح. كانت المظلة، عديمة الفائدة أمام غضب العاصفة، تتدلى من يدها كوزن ميت. وعندما رأت واجهة المكتبة *كلمات وصفحات*، أفلتت من شفتيها نصف المفتوحتين زفرة ارتياح. دفعت الباب الزجاجي بكتفها، ودق الجرس فوقها معلنًا وصولها.
كان الداخل ملاذًا. رائحة الورق العتيق اختلطت بعطر القهوة الطازجة والخشب المصقول، مزيج احتواها كعناق. هزت لارا شعرها الكستنائي، متناثرة قطرات في الهواء، ومررت أصابعها بين الخصلات المبللة، مسدلة إياها إلى الخلف. كان الفستان، وقد التصق الآن بجلدها، يترك القليل للمخيلة، لكنها لم تهتم. ففي النهاية، من كان هناك ليلاحظ؟ بدت المكتبة خالية، باستثناء شخص رجل منحني فوق طاولة عرض في الزاوية الأبعد.
لم يرفع دانيال عينيه على الفور. كان مستغرقًا في كتاب عن العمارة عصر النهضة، الصفحات المفتوحة تكشف رسومات لكاتدرائيات تبدو وكأنها تنبت من الورق. كانت أصابعه الطويلة، المعتادة على رسم خطوط دقيقة في المشاريع، تقلب الصفحات بحنان يكاد يكون توقيرًا. الضوء الكهرماني للمصباح فوق الطاولة أبرز ملامح وجهه—فك بارز، أنف مستقيم، ظل لحية يمنحه مظهر إهمال مدروس. كان يرتدي قميصًا من الكتان أزرق فاتحًا، أكمامه مرفوعة حتى المرفقين، وبنطالًا من السرج يسقط بشكل مثالي على وركيه الضيقين.
خلعت لارا حذاءها المبلل، وتركتهما بجانب الباب، وسارت حافية على الأرضية الخشبية، أصابع قدميها تغوص في السجادة الفارسية البالية. دفء المكان يتناقض مع البرودة الرطبة بالخارج، فارتعشت، ليس من البرد، بل من شعور بأنها مراقب. استدارت نحو الواجهة الزجاجية، تتظاهر بالإعجاب بالمطر، واستغلت الفرصة لإلقاء نظرة خفية نحو الرجل.
لم يرها بعد. أو، إذا رآها، لم يظهر ذلك. عضت لارا شفتها السفلى، تقيمه. لم يكن من النوع الذي يجذب انتباهها عادةً—لم يكن هناك أي شيء مبهرج فيه، لا ساعة لافتة للنظر ولا قصة شعر مدروسة. لكن كان هناك شيء في الطريقة التي يتحرك بها، بطيء ومتأنٍ، كما لو أن كل حركة كانت جزءًا من رقصة مدروسة. وتلك الأيدي. تخيلت لارا تلك الأيدي تمسك قلمًا، ترسم خطوطًا على ورقة، أو ربما—
دوى الرعد في الخارج، فجفلتها. رفع دانيال عينيه أخيرًا، والتقت نظراتهما لثانية بدت وكأنها تمتد. شعرت لارا بوجهها يحمر، كما لو أنها أُمسكت متلبسة، لكنه ابتسم فقط، ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، قبل أن يعود انتباهه إلى الكتاب.
أخذت نفسًا عميقًا واقتربت من الرفوف. كانت بحاجة إلى شيء يشتت ذهنها، شيء يمنعها من الوقوف هناك، تحدق في غريب كما لو كان الصفحة الأخيرة من رواية غير مكتملة. مرت أصابعها على ظهور الكتب، تشعر بنسيج الجلد، الورق المقوى، القماش البالي. رواية تاريخية. لا. شعر. ربما. توقفت أمام طبعة من *سونيتات كامões*، الغلاف المخملي الأحمر باهتًا مع مرور الزمن. فتحته عشوائيًا وقرأت بصوت منخفض:
*"الحب نار تحترق ولا تُرى..."*
ترددت الكلمات في ذهنها، محملة بسخرية لم تستطع تجاهلها. الحب. النار. شيئان تعلمت التعامل معهما بحذر. أغلقت الكتاب بنقرة ناعمة وأعادت وضعه على الرف.
— هذا أحد مفضلاتي.
فاجأها صوت دانيال. عميق، بنبرة خشنة قليلاً، كما لو أنه أمضى الليلة السابقة في حانة، يتحدث عن أشياء لا تهم. استدارت لارا ببطء، ووجدته الآن على بعد خطوات قليلة، عينيه الخضراوين—خضراوين كطحلب بعد المطر—ثابتتين عليها.
— حقًا؟ — أجابت، تحاول أن تبدو غير مبالية. — دائمًا اعتقدت أن كامões كان مبالغًا بعض الشيء.
— مبالغًا؟ — رفع حاجبه، مستمتعًا. — أم أنه كان يقول الحقيقة فقط؟
— الحقيقة نسبية — ردت، تعبر ذراعيها. جعلها هذا الحركة تفتح فتحة صدر الفستان قليلاً، ولاحظت نظره ينزل لجزء من الثانية قبل أن يعود إلى وجهها. — ماذا تقرأ؟
تردد دانيال، كما لو كان يقرر ما إذا كان يجب عليه المشاركة أم لا. ثم مد الكتاب نحوها. *عمارة الرغبة: الفضاءات التي تغوي*. العنوان، بحروف ذهبية، بدا يلمع تحت الضوء.
— مثير للاهتمام — همست لارا، تمرر أصابعها على الغلاف. — وماذا يفعل مهندس معماري بكتاب كهذا؟
— بحث — أجاب، يقترب قليلاً. رائحة عطره—شيء حمضي، مع لمسة من خشب الصندل—وصلت إليها، ممتزجة بعطر القهوة القادم من عمق المكتبة. — أصمم منزلاً لعميل يريد أن تحكي كل غرفة قصة. أن تغوي.
— وكيف تغوي بالعمارة؟
— بالضوء — قال، يخفض صوته درجة. — باللمسات. بالفضاءات التي تدعو للمس. — توقف، عيناه تجوبان وجهها قبل أن تستقر على شفتيها. — بوعد أنك إذا دخلت، لن ترغب في المغادرة.
شعرت لارا بأنفاسها تتقطع. هل كان ذلك استفزازًا؟ أم مجرد محادثة بريئة بين غريبين في مكتبة؟ كان يجب عليها الرد بشيء ذكي، تغيير الموضوع، لكن الكلمات بدت وكأنها ذابت في رطوبة الهواء.
— وأنت؟ — سأل دانيال، يكسر الصمت. — ماذا تفعل محررة في مكتبة في يوم ممطر؟
— أتهرب — اعترفت، قبل أن تتمالك نفسها. — من المطر، من العمل، من نفسي.
ضحك، صوت منخفض ودافئ.
— وهل ينجح الأمر؟
— ليس بعد.
وقفا هناك، بلا حراك، المسافة بينهما مشحونة بشيء لم يجرؤ أي منهما على تسميته. المطر يضرب الزجاج، إيقاع ثابت بدا وكأنه يتزامن مع دقات قلب لارا. كانت تشعر بحرارة جسده، حتى من تلك المسافة، كما لو أن الهواء بينهما قد تحول إلى تيار كهربائي.
— هناك مقهى في الخلف — قال دانيال أخيرًا. — إذا أردت الاختباء بشكل أفضل.
ترددت لارا. قبول القهوة يعني إطالة تلك اللحظة، السماح للتوتر بينهما بالنمو إلى نقطة اللاعودة. لكن الرفض يعني الاعتراف بالخوف.
— سأحب ذلك — أجابت مبتسمة.
مد يده، مشيرًا إلى الطريق. مرت لارا بجواره، تشعر بالاحتكاك الخفيف لأجسادهما، كما لو أن مجرد التحرك جنبًا إلى جنب كان رقصة مدروسة. وعندما تلامست أصابعهما، عن طريق الخطأ، تظاهرا بعدم ملاحظة الصدمة التي اجتاحت جلدهما.
استمر المطر بالخارج، بلا هوادة. لكن داخل المكتبة، كانت النار قد بدأت تشتعل.
سقط الكتاب الأول من بين أصابع لارا قبل أن تدرك ذلك. كان مجلدًا بغلاف صلب، مجلدًا بالجلد العتيق، بحروف ذهبية تلمع تحت الضوء الأصفر للمكتبة في اللحظة التي انزلقت بين أصابعها. كان الصوت بسيطًا—الغلاف يصطدم بالأرض كتنهيدة مكبوتة—لكنه كان كافيًا لجعلها تشعر بالاحمرار يصعد إلى رقبتها. قبل أن تتمكن من الانحناء، سقط كتابان آخران بنفس الطريقة، متتاليين على السجادة البالية، منتشرين في شكل مروحة فوضوية عند قدميها.
عندها رأته.
كان دانيال على بعد خطوات قليلة، مستغرقًا في تأمل كتاب عن العمارة القوطية، الصفحات المفتوحة تكشف أقواسًا مدببة وزجاجًا معشقًا يبدو وكأنه يمتص الضوء من المكان. لكن شيئًا ما جعله يرفع عينيه—ربما الحركة المفاجئة، ربما الصوت المكتوم للسقوط. التقت نظراتهما في اللحظة التي سقط فيها الكتاب الأخير، وشعرت لارا بأنفاسها تتقطع.
لم يبتسم على الفور. أولاً، كان هناك تلك الثانية من الاعتراف الصامت، كما لو أن كليهما عرفا، دون كلمات، أن شيئًا ما قد تغير للتو. ثم، ببطء، انحنت زوايا فمه، ليس في ضحكة، بل في شيء أكثر حميمية، يكاد يكون تواطؤًا. أنزلت لارا عينيها للحظة، تتظاهر بالتركيز على الكتب المتناثرة، لكن الحرارة في وجنتيها خانتها.
— آسفة — همست، تنحني لالتقاط الكتب. — أنا لا أكون عادةً بهذا الخرق.
اقترب دانيال بخطوتين، ينحني بجانبها بسلاسة جعلتها تحبس أنفاسها. لامست أصابعه أصابعها عندما مد كلاهما يده لالتقاط نفس الكتاب—*العطر*، لسوسكيند، الغلاف الأسود بحروف فضية تعكس الضوء كمرآة. سحبت لارا يدها للخلف، كما لو أنها احترقت.
— دعني أساعدك — قال، صوته منخفض، يكاد يكون همسًا. — الكتب لها طريقة في الهروب عندما لا نتوقعها.
رفعت عينيها، تلتقي بنظراته مرة أخرى. كانت عيون بنيته، لكنها ليست بنية عادية—كانت هناك درجات من العنبر والعسل، كما لو أن ضوء المكتبة قد تسرب إلى قزحيته. لاحظت لارا، بصدمة، أنها كانت تنظر أكثر من اللازم.
— نعم — وافقت، تحاول أن تبدو غير مبالية. — أو عندما نكون مشتتين.
— مشتتين بماذا؟ — سأل، يلتقط أحد الكتب ويديره بين يديه. — بالمطر؟ بقلة القهوة؟ أم بشيء... أكثر إثارة للاهتمام؟
تعلقت السؤال في الهواء، محملًا بنية لم تجرؤ لارا على فك شفرتها. عضت شفتها السفلى، تشعر بالطعم المعدني لل أحمر الشفاه الذي وضعته قبل ساعات، دون أن تدري أنها ستنتهي هنا، منحنية على أرض مكتبة مجهولة، تتبادل عبارات مزدوجة المعنى مع غريب.
— ربما بالأوليين — أجابت أخيرًا. — الثالث لا أعرف بعد.
ضحك دانيال، صوت عميق ودافئ يتردد في صدره. لاحظت لارا، لأول مرة، كيف يناسب قميصه—كتان أزرق فاتح، مجعد قليلاً—كتفيه، محددًا عضلات ليست من صالة الألعاب الرياضية، بل لشخص معتاد على حمل أكثر من الكتب. مد يده لمساعدتها على النهوض، وترددت قبل أن تقبل. عندما تلامست أصابعهما، اجتاح ذراعها تيار كهربائي قوي لدرجة أنها كادت تطلق زفرة.
— لارا — قالت، كما لو كان الاسم اعترافًا.
— دانيال.
استمر المصافحة ثانية أطول مما ينبغي. عندما انفصلا، شعرت لارا بغياب اللمس كخسارة.
— هل تعمل هنا؟ — سألت، تحاول إخفاء الارتعاش في صوتها بينما تنظر حولها، كما لو كانت المكتبة قد تقدم إجابة.
— لا — ضحك، يهز رأسه. — مجرد زبون دائم. وأنت؟
— محررة. كنت في طريقي إلى اجتماع عندما أمسكني المطر.
— الاجتماعات مروعة — علق، يلتقط الكتاب الأخير من الأرض ويمدّه إليها. — خاصة عندما تقاطع شيئًا أفضل.
أمسكت لارا بالكتاب على صدرها، كما لو كان درعًا. بدا *العطر* أثقل الآن، كما لو أن الكلمات داخله قد اكتسبت معنى جديدًا.
— وما هو الأفضل؟ — سألته، تتحداه بعينيها.
لم يجب دانيال على الفور. بدلاً من ذلك، انحنى قليلاً إلى الأمام، كما لو كان سيشارك سرًا. شعرت لارا برائحته—خشب الصندل وشيء حمضي، مثل البرغموت—وكان عليها أن تتحكم في نفسها حتى لا تغلق عينيها وتستنشق بعمق.
— يعتمد — همس. — أحيانًا، يكون مجرد مسألة وجودك في المكان المناسب، في الوقت المناسب.
كانت تعرف أنه لا يتحدث عن المكتبة.
حل الصمت بينهما، يكسره فقط صوت المطر يضرب النوافذ. لاحظت لارا أنهما لا يزالان منحنيين، قريبين جدًا، ركبتيهما تكادان تتلامسان. لو انحنت بضعة سنتيمترات فقط، لالتقت شفتاها بشفتيه. الفكرة أخافتها وأثارتها بنفس القدر.
— هل تتحدث دائمًا بالألغاز؟ — سألته، تحاول تخفيف التوتر.
— فقط عندما تتطلب الموقف — أجاب مبتسمًا. — ويبدو أن هذا الموقف يتطلب ذلك.
ضحكت لارا، صوت خفيف يتردد بين الرفوف. مد دانيال يده مرة أخرى، هذه المرة ليس لمساعدتها على النهوض، بل لإزاحة خصلة شعر انزلقت من كعكة شعرها المربوطة على قفاها. كان اللمس قصيرًا، لكنه كان كافيًا لجعلها تشعر بخشونة أصابعه، المتشققة من عمل اليدين.
— لديك حبر على وجهك — قال بهدوء.
— ماذا؟
— هنا — أشار، يمرر إبهامه أسفل وجنتها مباشرة. — أزرق. لا بد أنه عندما أسقطت الكتب.
رفعت لارا يدها إلى وجهها، لكنه أمسك معصمها قبل أن تتمكن من مسحه.
— اتركيه — طلب. — يناسبك.
لم تعرف ماذا تجيب. بدت المكتبة وكأنها انكمشت حولهما، الرفوف تغلق كجدران متاهة لا يريدان الهروب منها. استمر المطر بالخارج، بلا هوادة، لكن الهواء بالداخل كان كثيفًا، محملًا بشيء لم يجرؤ أي منهما على تسميته.
نهض دانيال أولاً، مد يده لمساعدتها. قبلت لارا، تشعر بالقوة في أصابعه عندما سحبها إلى الأعلى. للحظة، كانا قريبين جدًا—كانت تشعر بحرارة جسده، ترى نبضه المتسارع في قاعدة رقبته. لم يبتعد.
— هل تحب الفن؟ — سأل فجأة، كما لو كانت السؤال الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكسر السحر.
— يعتمد — أجابت، تكرر كلماته. — على النوع.
— النوع الذي يجعلك تنسى التنفس؟
ابتسمت لارا، تشعر بقلبها ينبض أسرع.
— هذا النوع، نعم.
أمسك دانيال بنظرها لثانية أطول، ثم استدار، يتجه نحو الرفوف في الخلف. تبعته لارا، تشعر بالسجادة الناعمة تحت قدميها، رائحة الورق القديم والقهوة الضعيفة تمتزج بعطره. عندما توقف أمام رف مليء بكتب الفن، أدركت أنها لم تعد تفكر في الاجتماع الذي فاتتها، ولا في المطر الذي حبسها هنا.
لم يكن هناك مكان سوى له.
وللسؤال الذي يحرق عقلها: *ماذا يحدث الآن؟*
كان المطر يضرب نوافذ المكتبة بإصرار شبه شهواني، كما لو أن كل قطرة كانت إصبعًا يمر على الزجاج، عنيدًا، رطبًا، لا يرحم. اختلط الصوت المكتوم بفرقعة المدفأة الناعمة في الزاوية، وحفيف الصفحات التي يقلبها زبائن آخرون، ورنين الأكواب البعيد في المقهى. ابتعدت لارا ودانيال عن رف الفن، لكن ليس أحدهما عن الآخر—ليس تمامًا. كانا الآن متكئين على نفس رف الأدب الأجنبي، أكتافهما تكاد تتلامس، بينما يقلبان كتبًا لم يكن أي منهما يقرأها حقًا.
— هل قرأت *الحب في زمن الكوليرا*؟ — سأل دانيال، ممسكًا بنسخة ذات غلاف أصفر بين أصابعه. كان صوته منخفضًا، يكاد يكون تآمريًا، كما لو كان يشارك سرًا.
أمالَت لارا رأسها، تراقب الطريقة التي يبرز بها الضوء الكهرماني من المصباح فوقهما الخيوط الفضية في صدغيه. — مرتين. الأولى عندما كنت في الثامنة عشرة، معتقدة أنها قصة حب. والثانية عندما كنت في الخامسة والعشرين، أدركت أنها عن الصبر.
— والآن؟ — همس، يقترب سنتيمترًا آخر.
— الآن؟ — ابتسمت، تشعر بالحرارة تصعد إلى رقبتها. — أعتقد أنها عن كيف لا يشيخ Desire أبدًا. فقط يتخفى بشكل أفضل.
ضحك دانيال، صوت عميق وخشن جعل شيئًا بداخلها ينقبض. — لديك نظرية لكل شيء، أليس كذلك؟
— فقط للأشياء المهمة. — أعادت لارا الكتاب الذي لم تكن تقرأه إلى الرف. — وأنت؟ ما هي روايتك المفضلة؟
تردد، كما لو أن السؤال يتطلب أكثر من إجابة بسيطة. — *خفة الكائن التي لا تُحتمل*. لكن ليس للسبب الذي يذكره الجميع.
— آه، لا؟ — رفعت حاجبها. — إذًا ما هو؟
— لأن كوندرا يكتب عن ثقل الجسد. — خفض دانيال صوته، وأصابعه تلامس أصابعها مرة أخرى وهو يلتقط كتابًا آخر من الرف. — عن كيف تتذكر البشرة ما تحاول العقل نسيانه. كيف يمكن للمس أن يكون أكثر صدقًا من أي كلمة.
حبست لارا أنفاسها. بدا الهواء بينهما كثيفًا، محملًا بشيء لم يجرؤ أي منهما على تسميته. — وهل تصدق ذلك؟
— في أيام مثل اليوم؟ — حدق فيها، عيناه الداكنتان تعكسان الضوء الذهبي. — نعم.
أبعدت نظرها أولاً، تتظاهر بالاهتمام بمجموعة من قصائد نيرودا. — هل تسافر كثيرًا؟ — سألت، محاولة تخفيف التوتر، لكن السؤال خرج أكثر حميمية مما أرادت.
— بما يكفي لأعرف أن أفضل الأماكن هي تلك التي لا تخطط للذهاب إليها. — استند دانيال بمرفقه على الرف، يميل قليلاً نحوها. — وأنت؟
— أجمع المدن كما يجمع بعض الناس الكتب. — قلبت لارا صفحة عشوائية، دون قراءة. — لكل مدينة رائحة، وإيقاع. باريس تفوح منها رائحة الخبز الطازج والبنزين. إسطنبول تفوح منها رائحة التوابل والبحر. طوكيو تفوح منها رائحة الكهرباء والشاي الأخضر.
— وهنا؟ — سأل، صوته يكاد يكون همسًا. — ما هي رائحة هذا المكان؟
أغمضت عينيها لثانية، تستنشق بعمق. — الورق القديم، القهوة المحروقة و... — ترددت — ...شيء آخر. شيء لا أستطيع تحديده.
— ربما هي رائحة المطر يتسرب من الشقوق — اقترح دانيال، لكن عينيه لم تفارقا عينيها.
— أو رائحة شيء يبدأ — همست لارا، قبل أن تتمالك نفسها.
حل الصمت الذي تلا ذلك، محملًا، يقطعه فقط صوت المطر الذي يضرب بقوة أكبر، كما لو أن السماء أيضًا كانت تحبس أنفاسها. مد دانيال يده، ليس ليلمسها، بل ليعدل ياقة سترةها، حركة عادية يمكن أن تمر دون أن يلاحظها أحد—لولا الطريقة التي تأخرت بها أصابعه ثانية إضافية على منحنى رقبتها.
— هل أنتِ بردانة؟ — سأل، رغم أنه كان يعرف أنها ليست كذلك.
— لا — أجابت لارا، صوتها أجش. — أشعر بالحر.
ابتسم، بطيء وخطير. — وأنا أيضًا.
قلصت المسافة بينهما دون أن يتحرك أي منهما. كانت لارا تشعر بحرارة جسده، بالطريقة التي يتسارع بها تنفسه، كما لو كان يجري ماراثونًا غير مرئي. تساءلت إذا كان هو أيضًا يشعر بإيقاع قلبها المضطرب، إذا كان يلاحظ كيف ترتجف يديها قليلاً وهي تمسك بالكتاب.
— هل زرتِ لشبونة من قبل؟ — سأل دانيال فجأة، كما لو كان بحاجة إلى مرساة.
— مرة واحدة. — تشبثت لارا بتغيير الموضوع كطوق نجاة. — في الشتاء. كان المطر يهطل بشدة لدرجة أن الشوارع بدت أنهارًا.
— عشت هناك ستة أشهر. — اقترب أكثر، قريبًا جدًا الآن لدرجة أنها تستطيع رؤية الندوب الصغيرة على خط فكه، والشفتين المتشققتين قليلاً من البرد. — كنت أعمل في مشروع ترميم في حي ألفاما. في الليل، بعد العمل، كنت أصعد إلى ميرادورو دي سانتا لوزيا فقط لأسمع صوت المدينة.
— وماذا كنت تسمع؟
— الريح في الأشجار. رنين الترام. — توقف، عيناه الداكنتان تلمعان تحت ضوء المصباح. — وأحيانًا، صوت شخص يتنفس بجواري.
ابتلعت لارا ريقها بصعوبة. — وهل أعجبك؟
— يعتمد. — لامست يده يدها مرة أخرى، هذه المرة عن عمد. — على من كان يتنفس.
كان يجب عليها أن تبتعد. كان يجب عليها أن تتراجع خطوة، تبتسم بأدب وتغير الموضوع. لكن جسدها لم يطعها. بدلاً من ذلك، مالت قليلاً إلى الأمام، كما لو كانت تنجذب بمغناطيس، وركبتاها تلامستا. اتصال بسيط، يكاد يكون بريئًا—لو لم يكن التيار الكهربائي الذي اجتاح بشرتها.
— دانيال — بدأت، لكن الكلمات ماتت في حلقها عندما رفع يده، وببطء مؤلم، أزاح خصلة شعر سقطت على وجهها. لامست أصابعه صدغها، وجنتيها، زاوية فمها، وشعرت لارا بجسدها كله يرتعش.
— ماذا؟ — سأل، صوته أجش.
— لا شيء. — كذبت. — فقط... هذا المطر.
ضحك ضحكة منخفضة، صوت اهتز في مكان ما عميق داخلها. — المطر لا علاقة له بهذا.
ثم، دون سابق إنذار، انحنى أكثر، حتى كادت جباههما تتلامس. شعرت لارا بأنفاسه الدافئة على شفتيها، تفوح منها رائحة القهوة وشيء أكثر حلاوة، مثل الفانيليا. أغمضت عينيها غريزيًا، وعرفت—عرفت—أنه سيقبلها.
لكن بدلاً من ذلك، تراجع دانيال بما يكفي لتمديد اللحظة، تعذيبًا لذيذًا. — هل تريدين قهوة؟ — سأل، كما لو أنه لم يشعل كل خلية عصبية في جسدها للتو.
فتحت لارا عينيها، مذهولة. — ماذا؟
— قهوة. — ابتسم، يعلم بالضبط التأثير الذي تركته كلماته. — مقهى هنا صغير، لكنه يصنع كابتشينو لائق.
كان يجب عليها أن تقول لا. كان يجب عليها أن تخترع عذرًا، أي شيء. لكن الحقيقة هي أنها لم ترد المغادرة. ليس بعد. ليس عندما كانت كل خلية في جسدها تصرخ من أجل المزيد من تلك اللعبة الخطيرة.
— كابتشينو إذن — وافقت، صوتها يخرج أكثر ثباتًا مما شعرت.
ابتسم دانيال، راضيًا، وقدم لها ذراعه كجنتلمان من عصر آخر. قبلت لارا، تشابكت أصابعها مع أصابعه، وكان اللمس كالصعقة الكهربائية. بينما كانا يسيران نحو مؤخرة المكتبة، لاحظت أن المطر بالخارج قد تحول إلى شيء أكثر كثافة، أكثر وحشية—كما لو أن السماء أيضًا كانت تفقد السيطرة.
وربما، فكرت لارا، بينما تنتشر حرارة يده في جسدها، هذا ليس سيئًا للغاية.
كان مقهى المكتبة ركنًا منسيًا بمرور الزمن، مختبئًا بين رفوف الكتب النادرة وجدار زجاجي ضبابي بسبب المطر. بالكاد يتسع المكان لأربع طاولات خشبية داكنة، مهترئة بالاستخدام، وعداد حيث تصدر آلة القهوة الإيطالية صوتًا هادئًا، تنبعث منها رائحة كثيفة لحبوب البن المحمصة. الضوء الأصفر لمصابيح الحديد الزهر يخلق دوائر من الدفء في المكان، كما لو كانت كل طاولة مسرحًا صغيرًا للحميمية.
سحب دانيال كرسيًا للارا، بحركة ناعمة تكاد تكون توقيرية. جلست، ساقيها تحتك بخفة بالنسيج الخشن لتنورتها، وراقبته وهو يدور حول الطاولة ليشغل المقعد أمامها. كانت الحركة بطيئة ومتعمدة، كما لو أن كل خطوة كانت جزءًا من رقصة لا يعرفها سوى هما. عندما استقر، تلامست ركبتاهما تحت الطاولة، اتصال قصير لكنه كان كافيًا لجعل الهواء بينهما يهتز.
— هل تتناولين السكر؟ — سأل، يميل قليلاً إلى الأمام، مرفقيه على الطاولة. كان صوته منخفضًا، يكاد يكون همسًا، كما لو كان يشارك سرًا.
هزت لارا رأسها، أصابعها تعبث بحمالة حقيبتها على حجرها. — فقط القليل من القرفة. إذا كان متوفرًا.
— دائمًا متوفر. — ابتسم، وزوايا عينيه تتجعد بطريقة جعلت معدتها تنقلب. — أحب أن أعتقد أن القرفة هي توابل الصبر. شيء لا يستعجل، يترك النكهة تتكشف ببطء.
ضحكت، صوت خفيف يكاد يكون مفاجئًا. — هل هذا تشبيه لشيء ما؟
— ربما. — نهض دانيال، لكنه لم يفعل ذلك قبل أن تمرر أصابعه بخفة على كتفها وهو يمر. كان اللمس سريعًا، يكاد لا يُلاحظ، لكن لارا شعرت بالحرارة تنتشر على بشرتها كحبر مسكوب. — أو ربما أحب فقط كيف تجعل القرفة القهوة أكثر خطورة.
بينما ابتعد نحو العداد، تركت لارا عينيها تجوبان المكان، محاولة تشتيت نفسها عن الوخز الذي لا يزال مستمرًا حيث لمسها. المطر يضرب الزجاج في موجات ثقيلة، محولًا العالم الخارجي إلى لوحة ضبابية. لكن داخل المقهى، كان الهواء دافئًا، كثيفًا، محملًا برائحة الورق القديم والقهوة الطازجة. عبرت ساقيها، تشعر بالاحتكاك النايلون على بشرتها، وتتساءل إذا كان سيلاحظ مدى ارتعاش يديها عندما يعود.
وضع دانيال الأكواب على الطاولة بحذر، كما لو كانت مصنوعة من الخزف الرقيق. كان الكابتشينو الخاص بلارا مزينًا برسم مثالي للرغوة على شكل ورقة، مرشوش بالقرفة. أما قهوته، سوداء وبدون زينة، فكانت تبدو أكثر كتصريح نوايا.
— ألا تزين قهوتك؟ — سألت، ترفع الكوب بكلتا يديها، تشعر بالدفء يتسلل إلى راحتيها.
— لا أحب المشتتات. — رفع دانيال كوبه إلى شفتيه، عيناه مثبتتان عليها فوق الحافة. — أفضل التركيز على ما يهم حقًا.
ارتشفت لارا رشفة، تاركة السائل الساخن ينزلق في حلقها. كان الطعم قويًا، مرًا في البداية، لكن بآثار حلوة تبقى. — وما الذي يهم حقًا يا دانيال؟
خفض دانيال الكوب ببطء، أصابعه لا تزال تلتف حول الخزف كما لو أنه لا يريد تركه. — أعتقد أنك تعرفين.
حل الصمت بينهما، يكسره فقط صوت المطر وزمجرة آلة القهوة البعيدة. شعرت لارا بقلبها ينبض بقوة، في حلقها، في صدغيها، بين ساقيها.
أبعدت نظرها نحو النافذة، لكن الظلام بالخارج لم يعكس سوى صورتهما، جالسين قريبين جدًا لدرجة أن ظلالهما اندمجت.
— هل تسافرين كثيرًا؟ — سألت، محاولة كسر التوتر، لكن صوتها خرج أكثر خشونة مما أرادت.
— عندما أستطيع. — استند دانيال إلى كرسيه، أصابعه تنقر بخفة على الطاولة. — العمارة مهنة تتطلب رؤية العالم. كل مكان له لغته الخاصة، طريقة لسرد القصص دون كلمات.
— وما هي أجمل قصة سمعتها؟
ابتسم، كما لو أن السؤال فاجأه. — ذات مرة، في لشبونة، التقيت رجلاً عجوزًا يصلح الكتب في ألفاما. قال لي إن كل صفحة ممزقة هي حياة تحتاج إلى ترقيع. — توقف، عيناه الداكنتان تلمعان تحت الضوء الأصفر. — أعتقد أنه كان على حق. الكتب، الناس... أحيانًا، كل ما نحتاجه هو شخص يعرف كيف يخيط القطع.
شعرت لارا بقشعريرة تسري في عمودها الفقري. — هل تتحدث دائمًا بهذه الطريقة؟
— بهذه الطريقة كيف؟
— كما لو أن كل كلمة هي دعوة.
مال دانيال إلى الأمام مرة أخرى، ركبتيه تضغطان على ركبتيها تحت الطاولة. هذه المرة، لم يكن هناك تراجع. — وإذا كانت كذلك؟
لم تجب. بدلاً من ذلك، رفعت الكوب إلى شفتيها مرة أخرى، لكنها لم تشرب. أبقت نظرها مثبتًا على عينيه فقط، تشعر بحرارة القهوة تمتزج بالحرارة التي تصعد في رقبتها. بدا العالم من حولها وكأنه انكمش، مقتصرًا على تلك الدائرة الصغيرة من الضوء، على ذلك الرجل الذي وعدت عيناه بأشياء لم تجرؤ على تسميتها.
— لارا — همس، وصوت اسمها على شفتيه كان كلمسة. — أنتِ ترتعشين.
لم تلاحظ، لكنها كانت كذلك. كانت يديها، اللتان كانتا ثابتتين من قبل، ترتجفان الآن قليلاً حول الكوب. — إنه البرد — كذبت.
لم يقل دانيال شيئًا. فقط مد يده فوق الطاولة، أصابعه تحوم على بعد سنتيمترات من يدها، كما لو كان يطلب الإذن. لم تتحرك لارا. لم تتراجع. وعندما لمس يدها أخيرًا، كان الأمر كما لو أن تيارًا كهربائيًا اجتاح جسدها بأكمله.
— ليس البرد — قال، صوته أجش. — إنه الشيء نفسه الذي يجعل أصابعي ترتجف عندما أكون بالقرب منك.
كان يجب عليها أن تبتعد. كان يجب عليها أن تتذكر أنهما في مكان عام، وأن أي شخص يمكن أن يدخل ويراهما. لكن الحقيقة هي أنها لم ترد ذلك. ليس عندما بدأ إبهامه يرسم دوائر بطيئة على الجلد الحساس لمعصمها، ليس عندما جعل كل حركة ترسل موجات من المتعة عبر ذراعها، ليس عندما كانت عيناه تحبسها كما لو كانت الشيء الوحيد الذي يهم في العالم.
— ماذا نفعل؟ — همست، أكثر لنفسها منه.
ابتسم دانيال، ابتسامة بطيئة وخطيرة. — أعتقد أننا نترك القهوة تبرد.
ثم، دون سابق إنذار، نهض، مسحبًا إياها بلطف من يدها. نهضت لارا دون مقاومة، أصابعها متشابكة مع أصابعه، جسدها يستجيب قبل أن تتمكن عقلها من الاحتجاج. قادها بعيدًا عن الطاولة، بعيدًا عن الضوء، إلى زاوية أكثر ظلمة من المقهى، حيث أخفاها رف عال جزئيًا عن بقية العالم.
— دانيال... — بدأت، لكن الكلمات ماتت عندما ضغطها على الخشب البارد للرف، جسده يضغط عليها بإلحاح محسوب.
— ششش — همس، شفتاه تحومان فوق شفتيها، قريبين جدًا لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه. — فقط قولي لي أنك تشعرين بذلك أيضًا.
لم تكن لارا بحاجة إلى الرد. الطريقة التي انحنت بها جسدها نحوه، الطريقة التي تشابكت بها أصابعها في ياقة قميصه، قالت كل شيء. تأوه دانيال بهدوء، صوت اهتز ضد فمها قبل حتى أن تتلامس شفاههما.
ثم، أخيرًا، قبلها.
لم يكن قبلة ناعمة. لم تكن قبلة مترددة. كانت قبلة جائعة، يائسة، كما لو أنهما قضيا سنوات في انتظار تلك اللحظة. شعرت لارا بطعم القهوة والقرفة على لسانه، ممزوجًا بشيء أكثر بدائية، أكثر وحشية. انزلقت يدا دانيال على ظهرها، تسحبانها أقرب، بينما تشابكت يديها في شعره، تمسك به كما لو كانت تخشى أن يختفي.
عندما ابتعدا، كان كلاهما يلهث. وضعت لارا جبهتها على جبهته، عينيها مغمضتين، تحاول استعادة أنفاسها. — كان هذا... — بدأت، لكنها لم تجد الكلمات.
— حتميًا — أكمل دانيال، صوته أجش.
فتحت عينيها ورأته يبتسم، ابتسامة كانت في نفس الوقت ظافرة ومليئة بالوعود. ثم، دون سابق إنذار، أمسك يدها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن هناك تردد. هذه المرة، سحبها خارج المقهى، عائدين إلى متاهة الرفوف، نحو مكان حيث كان الضوء أضعف والظلال أكثر سخاء.
— إلى أين نذهب؟ — سألت، رغم أنها عرفت الإجابة بالفعل.
نظر دانيال إلى الخلف، عيناه الداكنتان تلمعان بشدة جعلت قلبها ينبض أسرع. — إلى مكان يمكننا فيه إنهاء ما بدأنا.
كانت يد دانيال لا تزال تحرق يدها، حتى بعد أن تركها ليقلب صفحة الكتاب المفتوح بينهما. كانت لارا تراقب أصابعه الطويلة، المتشققة قليلاً، وهي تتتبع محيط نقش بني باهت—امرأة في وضع جانبي، شفتيها نصف مفتوحتين كما لو كانت تهمس أسرارًا للريح. كان الورق خشنًا تحت أطراف أصابعه، وتخيلت كيف سيكون ملمس تلك البشرة على بشرتها، في أماكن لا يتوسطها الحبر والكلمات.
— انظر — همس، يميل أقرب. نفخته الدافئة لامست أذنها، فحبست لارا أنفاسها. — هنا، ظل رقبتها... يكاد يكون سائلاً.
لم تجب. لم تستطع. صوته، المنخفض والخشن، تسلل إلى عظامها، كما لو أن كل مقطع كان خيطًا يسحبها أقرب. اهتز الكتاب قليلاً بينهما، وأدركت أن يدها، وليس يده، هي التي ترتجف. رفع دانيال عينيه، ليلتقي بنظراتها، ولثانية بدا العالم مقتصرًا على تلك المسافة الصغيرة بين وجهيهما، على رائحة القهوة والورق القديم، على الصوت المكتوم للمطر يضرب نوافذ المكتبة.
— أنتِ ترتعشين — قال، ولم يكن سؤالاً.
عضت لارا شفتها السفلى، تشعر بالطعم المعدني لأحمر الشفاه الذي وضعته قبل ساعات. — إنه البرد — كذبت.
ابتسم دانيال، ببطء، كما لو كان يعرف بالضبط ما تفعل. ثم، عمدًا، أمسك يدها مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس للإشارة إلى شيء في الكتاب. تشابكت أصابعه مع أصابعها، كفًا بكف، وكانت الحرارة فورية، تكاد تكون لا تطاق. شعرت لارا بنبضها يتسارع في حلقها، في صدغيها، بين ساقيها.
— ليس البرد — همس، يقترب أكثر. لامست ركبته ركبتها، ولم تبتعد. — إنها الحرارة نفسها التي أشعر بها.
كان يجب عليها أن تقول شيئًا ذكيًا. كان يجب عليها أن تصرف النظر، أو تضحك، أو تفعل أي شيء غير ما فعلته بعد ذلك. لكن عندما مال وجهه، شفتاه على بعد سنتيمترات من شفتيها، لم تفكر لارا. فقط تصرفت.
جذبته من ياقة قميصه، تشعر بالقماش النشوي ينثني تحت أصابعها، وضغطت فمها على فمه.
كان الأمر كما لو أنها غطست في ماء دافئ بعد شتاء طويل. كانت شفاه دانيال ناعمة، لكنها ثابتة، واستجابت للقُبلة بجوع جعلها تئن بهدوء. جذبها نحوه، يد على أسفل ظهرها، والأخرى متشابكة في شعرها، وشعرت لارا بالعالم يدور. سقط الكتاب على الأرض بصوت مكتوم، صفحاته تتناثر كالأوراق في الريح، لكن لم يهتم أي منهما.
— اللعنة — همس دانيال على فمها، صوته متقطع. — كنت أحاول أن أكون رجلاً نبيلاً.
ضحكت لارا، صوت رطب ومتقطع، وعضت شفته السفلى. — منذ متى وأنت كذلك؟
لم يجب دانيال بالكلمات. بدلاً من ذلك، دفعها بلطف نحو الرف، المعدن البارد للأرفف يضغط على ظهرها. انزلقت يداه إلى الأسفل، تمسك بفخذيها، ولفت لارا ساقيها حول خصره دون تفكير. ارتفع الفستان، مكشفًا الجلد الحساس لخشونة الجينز الخاص به، فارتفعت بجسدها، تبحث عن مزيد من الاتصال.
— أسرع — طلبت لارا، أظافرها تنغرز في ظهره. — من فضلك.
أطاع دانيال. دفعها نحو الحائط، يداه تمسكان بفخذيها بقوة، وزاد من سرعته، كل دفعة أقوى من السابقة. شعرت لارا بالنشوة تبني نفسها مرة أخرى، موجة تبدأ من أصابع قدميها وتصعد، تصعد، حتى انفجرت في صرخة خنقها بفمه.
تقلص جسدها حوله، وتأوه دانيال، حركاته أصبحت غير منتظمة، حتى وصل إلى النشوة بصرخة خشنة، وجهه مدفون في رقبتها.
لبعض الوقت، بقيا هناك، يلهثان، جسديهما لا يزالان متحدين. شعرت لارا بنبض قلبه ضد قلبها، متسارعًا، ومررت أصابعها في شعره المبلل على قفا رقبته.
— كان هذا... — بدأت، لكنها لم تستطع الانتهاء.
رفع دانيال رأسه، عيناه الداكنتان تلمعان. — لم ينتهِ بعد — قال، ثم قبلها مرة أخرى، ببطء وعمق، بينما بدأت يداه تستكشفان جسدها كما لو كان لديهما كل الوقت في العالم.
ابتسمت لارا على فمه.
الليل بدأ للتو.
كان المطر قد خف إلى همس ثابت على زجاج باب المكتبة، صوت بدا وكأنه يتزامن مع دقات قلب لارا المتسارعة. ضبطت حقيبة الكتف، تشعر بنسيج البلوزة الرطب يلتصق قليلاً بالبشرة، كما لو أن الهواء المشبع بالرطوبة قد تسرب إلى كل مسام. كان دانيال بجانبها، أصابعه لا تزال دافئة حيث لمست خصرها قبل لحظات، عندما جذبها إلى قبلة بطيئة أخرى، كما لو كان يريد حفظ طعمها قبل أن يدعها تذهب.
— ستصابين بالبرد — همس، يمرر إبهامه على محيط شفتها السفلى، كما لو لم يستطع مقاومة لمسها مرة أخيرة.
ابتسمت لارا، تشعر بالحرارة تصعد إلى رقبتها. — أحب المطر.
— وأنا أيضًا — أجاب، لكن عينيه لم تكونا على السماء الرمادية بالخارج. كانتا عليها، تجوبان وجهها كما لو كان كل تفصيل صفحة لا يريد إغلاقها. — لكنني أفضل عندما يهطل وأنا داخل مكان دافئ. معك.
ضحكت، بصوت منخفض، والصوت اختلط برنين الأكواب البعيد في المقهى، الذي أصبح شبه خالٍ الآن. كانت المكتبة هادئة، فقط طنين الأضواء الفلورية ورائحة الورق القديم والقهوة الطازجة تملأ الفراغ بينهما. نظرت لارا إلى الرفوف، إلى الكتب التي كانت شاهدة على كل ما حدث هناك، وشعرت بوخزة من الحنين قبل أن تغادر.
— يجب أن أذهب — قالت، لكنها لم تتحرك. بدت الكلمات كسؤال، وفهم دانيال.
— سأرافقك إلى السيارة.
— لا حاجة.
— أريد ذلك.
لم تجادل. الحقيقة هي أنها لم ترد أن تنتهي الليلة. ليس بعد.
سارا جنبًا إلى جنب حتى الباب، أكتافهما تتلامس بخفة، كما لو لم يستطع أي منهما الحفاظ على مسافة آمنة. كان الهواء بالخارج باردًا، لكنها بالكاد شعرت به. حرارة جسد دانيال بجانبها كانت كافية لإبقائها دافئة. كان المطر قد غسل الأسفلت، تاركًا إياه لامعًا تحت أضواء أعمدة الإنارة، وكانت القطرات التي تسقط من مظلات المتاجر تخلق ستارة شبه شفافة، كما لو أن العالم قد لُف في حجاب.
— أين أوقفتِ السيارة؟ — سأل، صوته منخفض، كما لو لم يرد كسر سحر اللحظة.
— شارعين من هنا — أشارت برأسها نحو الشارع الجانبي. — لكن لا حاجة...
— لارا.
توقفت واستدارت نحوه. كان الضوء الأصفر من عمود الإنارة يضيء نصف وجه دانيال، تاركًا النصف الآخر في الظل، كما لو كان شخصين: الرجل الذي التقت به للتو والذي شعرت وكأنها تعرفه منذ سنوات.
— أريد — كرر، وكان هناك شيء في الطريقة التي قال بها ذلك جعل معدتها تنقبض.
سارا في صمت، خطواتهما يتردد صداها على الرصيف الخالي. كان المطر يهطل في خيوط رفيعة، يبلل شعر لارا، يتساقط على رقبتها، لكنها لم تهتم. كل قطرة كانت كمداعبة، تذكير بأن العالم الخارجي لا يزال موجودًا، رغم أنه في تلك اللحظة، لم يكن يهم سوى المسافة بينهما.
عندما وصلا إلى السيارة، استدارت لارا نحو دانيال، مترددة. — إذاً... — بدأت، لكن الكلمات ماتت في حلقها.
ابتسم، ببطء، كما لو كان يعرف بالضبط ما تفكر فيه. — إذاً — ردّد، يقترب خطوة، يقلص المسافة بينهما. — لا أريد أن ينتهي هذا هنا.
— ولا أنا.
— جيد.
أمسك وجهها بين يديه، إبهاماه يداعبان وجنتيها، وأغمضت لارا عينيها للحظة، تغوص في اللمسة. عندما فتحتهما مرة أخرى، كان دانيال ينظر إليها بشدة جعلتها تحبس أنفاسها.
— أعطيني هاتفك — طلب، صوته أجش.
بحثت في حقيبتها، أصابعها ترتجف قليلاً، وأخرجت الهاتف. أخذ دانيال الهاتف، أدخل رقمه واتصل بنفسه، وترك الهاتف يرن مرة قبل أن يغلق. ثم أعاده إليها، لكنه لم يترك يدها.
— سأتصل بك — وعد.
— متى؟
— غداً.
— بهذه السرعة؟
— لا أستطيع الانتظار أكثر من ذلك.
ضحكت، لكن الصوت خرج مكتومًا، لأن دانيال جذبها إلى قبلة أخرى. هذه المرة كانت مختلفة. لم تكن هناك عجلة، لم يكن هناك إلحاح الرغبة التي استهلكتهما في مخزن المكتبة. كانت بطيئة، عميقة، كما لو كان يحاول حفظ طعمها في ذاكرته. عندما ابتعد، شعرت لارا بشفتيها تخدران، كما لو أنه ترك علامة غير مرئية هناك.
— غداً — كررت، كما لو كانت بحاجة لسماع الكلمة لتصدق.
— غداً — أكد، يتراجع خطوة، لكنه لم يترك يدها. — سأخذك للعشاء.
— أين؟
— في مكان لا نحتاج فيه إلى الاختباء.
ابتسمت، تشعر بقلبها ينبض أسرع. — أحب الأماكن التي نحتاج فيها إلى الاختباء.
ضحك دانيال ضحكة منخفضة، والصوت اهتز في صدره، قريب جدًا لدرجة أنها شعرت بالحرارة تنتشر في جسدها. — وأنا أيضًا — اعترف. — لكن هذه المرة، أريد رؤيتك في وضح النهار. أريد أن أعرف كيف يبدو صوت ضحكك عندما لا نكون بين أربعة جدران.
عضت لارا شفتها، تشعر بالرغبة تلتف في بطنها. — وماذا أيضًا تريد أن تعرف؟
مال رأسه، عيناه الداكنتان تلمعان تحت ضوء عمود الإنارة. — كل شيء. كيف تتناولين القهوة. إذا كنت تنامين متكئة أو تنتشرين على السرير بأكمله. الكتاب الذي تقرئينه الآن. إذا كنت تشخرين.
— أنا لا أشخر!
— أراهن أنك تفعلين.
— أنت تختلقين ذلك.
— ربما — اعترف، يجذبها أقرب، حتى تلاءم جسداها تمامًا. — لكنني سأكتشف.
ضحكت لارا، والصوت ضاع في المطر. — أنت مستحيل.
— وأنتِ تحبين ذلك.
لم تنكر. بدلاً من ذلك، رفعت وجهها وقبلته مرة أخرى، هذه المرة بإلحاح أكثر، كما لو كانت تريد إثبات لنفسها أن هذا حقيقي. رد دانيال، يداه تنزلقان على ظهرها، تجذبانها نحوه، وللحظة، نسيت أنها في الشارع، نسيت أن الليل بارد، نسيت كل شيء إلا إحساس شفتيه على شفتيها.
عندما ابتعدا، كان كلاهما يلهث.
— يجب أن أذهب حقًا — همست، لكنها لم تحاول دخول السيارة.
— أعرف — أجاب، لكنه لم يتحرك.
وقفا هناك، يحدقان في بعضهما البعض، كما لو كانا يحاولان حفظ كل تفصيل قبل الانفصال. مرت لارا أصابعها في شعر دانيال، تشعر بالرطوبة في خصلاته، وأغمض عينيه للحظة، كما لو كانت اللمسة أكثر من اللازم.
— غداً — قالت أخيرًا.
— غداً — كرر، يتراجع خطوة.
دخلت لارا السيارة، شغلت المحرك، وأنزلت النافذة. اقترب دانيال، يضع ذراعيه على النافذة، ومدت يدها، تلمس وجهه مرة أخيرة.
— قودي بحذر — طلب.
— سأفعل.
— واتصلي بي عندما تصلين إلى المنزل.
— هل ستبقى هنا حتى أغادر؟
— ربما.
ابتسمت. — أنت سخيف.
— وأنتِ تحبين ذلك.
لم تنكر. بدلاً من ذلك، انحنت خارج النافذة وقبلته مرة أخرى، بسرعة، قبل أن تسرع السيارة. بقي دانيال على الرصيف، يراقب الأضواء الخلفية تختفي في المنحنى، وعندها فقط سمحت لارا للواقع باللحاق بها.
كان الراديو مفتوحًا على محطة جاز، والموسيقى الهادئة ملأت صمت السيارة. ضبطت المرآة الخلفية، ترى انعكاسها—الشفتان المتورمتان، العينان اللامعتان، الشعر الأشعث قليلاً. بدت شخصًا آخر. أو ربما، أخيرًا، هي نفسها.
استمر المطر بالهطول، يغسل آثار الإطارات على الأسفلت، يمحو آثار تلك الليلة كما لو لم تكن موجودة قط. لكن لارا عرفت أن بعض الأشياء لا يمكن غسلها. بعض الأشياء تبقى.
ابتسمت لنفسها، تشعر بجسدها لا يزال ينبض، وتسارعت، متشوقة للوصول إلى المنزل والحلم بالغد.