بين التكرارات والزفير
بقلم Tonkix

**بين التكرارات والزفير**
كانت رائحة الصالة الرياضية مزيجاً من العرق والمطاط والعزيمة. صوت الأثقال وهي ترتطم بالأرض، الأنفاس اللاهثة، والموسيقى الإلكترونية المكتومة عبر سماعات الأذن، كلها شكلت سيمفونية غريبة، نشيداً للجهد والتغلب. بين تلك الأجساد المتحركة، برز اثنان ليس فقط بسبب تفانيهما، بل بسبب الطريقة التي تلتقي بها نظراتهما أحياناً وتستمر لثانية أطول مما هو مقبول اجتماعياً.
كلارا كانت أخصائية علاج طبيعي وتتردد على الصالة منذ ما يقرب من عام. بشعرها الكستنائي المربوط في ذيل حصان غير مرتب، وبشرتها البرونزية قليلاً بفعل شمس عطلات نهاية الأسبوع على الشاطئ، وجسدها المشدود بالانضباط، كانت تجذب الأنظار دون أن تدرك ذلك. كان تركيزها دائماً واحداً: التحسن، التطور، الشعور بالحرقان في العضلات كدليل على أنها على قيد الحياة. لم تكن من النوع الذي يغازل بين الأجهزة، لكنها لم تكن أيضاً غير مبالية بالنظرات التي تتلقاها.
على الجانب الآخر من القاعة، كان دانيال يضبط الأثقال على قضيب الضغط. بذراعيه القويتين، كتفيه العريضتين، ولحيته الخفيفة التي تمنحه مظهراً كأنه خرج لتوه من جلسة تصوير لمجلة لياقة بدنية، كان دانيال من النوع الذي يجعل النساء — وبعض الرجال — يلتفتون إليه. لكن دانيال لم يكن يبدو أنه يلاحظ. أو إذا كان يلاحظ، فإنه لم يظهر ذلك. كانت روتينه مقدسة: تمارين الأثقال، الجري على المشاية، وأحياناً درس في القتال لتخفيف التوتر. حتى أن، في أحد أيام الثلاثاء، التقت عيناه بعيني كلارا بينما كانت تقوم بتمارين القرفصاء.
كانت ثانية واحدة. ثانية بدا فيها العالم وكأنه يتباطأ. شعرت كلارا بثقل ساقيها، والعرق يتدفق على ظهرها، والنفس محبوساً في حلقها. دانيال، من جهته، شعر بشيء مختلف. لم يكن مجرد انجذاب جسدي — رغم أنه كان لا يمكن إنكاره. كان شيئاً أعمق، وكأن في تلك اللحظة تعرف فيها على روح توأم في الإرهاق، والانضباط، والسعي الدائم وراء شيء لا يعرف هو نفسه كيف يسميه.
— هل تقومين دائماً بتمارين القرفصاء هكذا؟ — فاجأها صوت دانيال. كادت كلارا أن تسقط القضيب، لكنها استعادت توازنها في الوقت المناسب، وأعادت القضيب إلى مكانه مع زفير ارتياح.
— هكذا كيف؟ — سألت، محاولة أن تبدو طبيعية، لكنها شعرت بوجهها يحمر.
— بكل هذه... الشدة. — ابتسم، وأدركت كلارا أنها المرة الأولى التي تراه يبتسم بصدق. ليس ابتسامة مهذبة، بل شيء حقيقي، يكاد يكون خجولاً.
— إنها الطريقة الوحيدة التي أعرفها — أجابت، مسحت العرق عن جبينها بظهر يدها. — إذا لم تكن شديدة، فلا تستحق العناء.
أومأ دانيال برأسه، وكأنه يفهم تماماً ما تعنيه. — أشعر بنفس الشيء. أحياناً، أعتقد أنني آتي إلى هنا أكثر من أجل الشعور بالحرقان أكثر من الصحة نفسها.
ضحكت كلارا، وكان صوتها خفيفاً، يكاد يكون موسيقياً. — إذاً نحن مدمنان على الإندورفين.
من ذلك اليوم، بدأا يتحدثان. في البداية، كانت مجرد تعليقات على التمارين، نصائح حول المجموعات أو شكاوى من قلة المساحة في الصالة. ثم امتدت المحادثات خارج نطاق الأجهزة: ما يحبانه فعله في عطلات نهاية الأسبوع، الأفلام التي يشاهدانها، الكتب التي يقرآنها. اكتشفت كلارا أن دانيال مهندس، لكنه يحلم بافتتاح صالة رياضية خاصة به يوماً ما. واكتشف دانيال أن كلارا تحب رقص السالسا، لكنها تفعل ذلك فقط في المنزل، عندما لا يكون هناك أحد ينظر.
ثم جاء اللمس.
كان عرضياً، أو على الأقل هذا ما قالاه لأنفسهما. كانت كلارا تقوم بتمارين الرفع الجانبي بالأثقال، وعندما مر دانيال خلفها، لامست يده يدها برفق. اتصال بسيط، يكاد يكون غير ملحوظ، لكنه جعل كليهما يشعر بتيار كهربائي يجتاح جسديهما.
— آسف — همس، لكنه لم يبتعد.
— لا بأس — أجابت، بلا نفس.
من تلك اللحظة، أصبحت اللمسات أكثر تكراراً. تعديل في الوضعية هنا، لمسة أكتاف هناك. لا شيء صريح، لا شيء يلفت الانتباه، لكن ما يكفي لجعل كليهما يشعران بتزايد التوتر، كحبل مشدود على وشك الانقطاع.
في إحدى ليالي الجمعة، كانت الصالة شبه فارغة. معظم الناس كانوا قد غادروا، والقلة المتبقية كانوا مركزين في روتينهم الخاص. كانت كلارا على المشاية، تجري بوتيرة ثابتة، عندما ظهر دانيال بجانبها، وضبط سرعة آلته ليتناسب معها.
— هل تجري دائماً هكذا؟ — سأل، مكرراً السؤال الذي طرحه قبل أسابيع.
— هكذا كيف؟ — أجابت كلارا، لاهثة، لكنها مبتسمة.
— بكل هذه... العزيمة.
ضحكت، وصوتها تردّد في الفضاء شبه الفارغ. — إنها الطريقة الوحيدة التي أعرفها.
لم يجب دانيال. بدلاً من ذلك، زاد سرعة المشاية، متحدياً إياها. قبلت كلارا التحدي، وجريا جنباً إلى جنب، جسديهما متعرقين، أنفاسهما متزامنة، نظراتهما تلتقي بين الحين والآخر. عندئذ مد دانيال يده ولمس ذراعها برفق دون أن ينبس ببنت شفة.
شعرت كلارا بقلبها يتسارع، لكن ليس بسبب التمرين فقط. كان بسبب اللمسة، والقرب، والطريقة التي ينظر بها دانيال إليها، وكأنه يريد التهامها هناك بالذات. خفضت سرعة المشاية حتى توقفت، وفعل دانيال الشيء نفسه. بقي الاثنان هناك، لاهثين، جسديهما يلمعان بالعرق، نظراتهما متشابكة.
— ماذا تفعل بي؟ — سألت كلارا، صوتها منخفض، يكاد يكون همساً.
— نفس الشيء الذي تفعله بي — أجاب دانيال، مقترباً خطوة، متلاشياً المسافة بينهما.
ثم قبلها.
لم يكن قبلة رقيقة، ولا خجولة. كانت قبلة جائعة، يائسة، وكأنهما كانا ينتظران هذه اللحظة منذ زمن طويل. ردت كلارا بنفس الشدة، يديها تجد شعر دانيال، تجذبه أقرب. بدا العالم المحيط وكأنه اختفى. لم تعد هناك صالة رياضية، ولا أشخاص، ولا قواعد. فقط هما الاثنان، جسديهما، رغباتهما، أنفاسهما المتقطعة.
عندما ابتعدا، لاهثين، نظرت كلارا حولها، مدركة فجأة أين هما. — ليس هنا — همست، لكن لم يكن هناك قناعة في صوتها.
فهم دانيال. أمسك بيدها وجذبها نحو غرف تغيير الملابس، لكن كلارا أوقفته. — لا. هناك كاميرات.
فكر لدقيقة ثم ابتسم، ابتسامة ماكرة جعلت قلب كلارا يخفق. — أعرف مكاناً.
قادها دانيال إلى غرفة تخزين في الجزء الخلفي من الصالة، مساحة صغيرة وضيقة، مليئة بالمعدات والصناديق المكدسة. بمجرد أن أُغلقت الباب خلفهما، دفعت كلارا إلى الحائط، ولامست شفاه دانيال شفتيها مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن هناك تردد. استكشفت أيديهما جسد بعضهما البعض بعجلة، وكأنهما يخشيان أن تفلت اللحظة.
— أردت أن أفعل هذا منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه — اعترف دانيال بين القبلات، ويداه تنزلان على ظهر كلارا، تجذبانها إليه.
— وأنا أيضاً — اعترفت، صوتها مبحوحاً بالرغبة.
بدأت الملابس تتساقط واحدة تلو الأخرى، كاشفة عن أجساد منحوتة بالجهد والانضباط والعاطفة. مرت كلارا يديها على عضلات دانيال المحددة، تشعر بنسيج بشرته، حرارة جسده. دانيال، من جهته، استكشف كل منحنى في جسد كلارا، كل سنتيمتر من بشرتها، وكأنه يريد حفظ كل تفصيل.
عندما اتحدا أخيراً، كان ذلك بشدة جعلتهما يلهثان. كانت الحركات متزامنة، وكأن جسديهما يعرفان بعضهما منذ سنوات. كل لمسة، كل أنين، كل زفير كان تأكيداً لما يعرفانه بالفعل: لم يكن ذلك مجرد رغبة. كان شيئاً أعمق، شيئاً يتجاوز الجاذبية الجسدية.
بعد ذلك، عندما كانا مستلقيين على الأرض بين الصناديق والمعدات، لاهثين ومرضيين، مرت كلارا بأصابعها على صدر دانيال، تشعر بنبض قلبه المتسارع.
— ما هذا؟ — سألت، رغم أنها كانت تعرف الإجابة.
أدار دانيال رأسه لينظر إليها، ابتسامة راضية على شفتيه. — هذا كان نحن الاثنين نحترق معاً.
ضحكت كلارا، وصوتها تردّد في الغرفة الصغيرة. — أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من الإندورفين.
جذبها دانيال أقرب، وقبلها برفق. — إذاً دعينا نستمر في الجري.
وهكذا، بين التكرارات والزفير، اكتشفا أن العاطفة أحياناً تولد حيث لا يتوقع المرء. وأن ما يهم في النهاية ليس الوزن الذي ترفعه، بل مقدار استعدادك لتقديم نفسك.