بين الملاءات والكلمات

بقلم Tonkix
بين الملاءات والكلمات
**بين الملاءات والكلمات** كانت الأمطار تهطل في ستائر سميكة على الطريق الترابي، محولة المسار إلى مرآة موحلة من الطين والانعكاسات المشوهة. أمسكت كلارا بعجلة القيادة للسيارة المستأجرة، وقد ابيضت مفاصل أصابعها تحت الضوء الشاحب للوحة العدادات. كان الريح يضرب النخيل على حافة الطريق، واقتلاع الأوراق التي تطير كالطيور المذعورة قبل أن ترتطم بزجاج السيارة الأمامي. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت برائحة الأوزون والهواء المالح يتسللان إلى داخل السيارة، ممزوجين برائحة الجلد الصناعي للمقاعد. *وصلت*، فكرت، رغم أن الكلمة بدت أشبه بتنهد ارتياح أكثر منها بتأكيد. برزت كوخ الشاطئ من بين الضباب كشبح من خشب وزجاج، مبني على أعمدة ليتحدى المد والجزر. أوقفت كلارا السيارة تحت الشرفة المغطاة، وأطفأت المحرك وبقيت هناك، بلا حراك، تستمع إلى صوت المطر يقرع على سقف السيارة. كان الصمت الذي أعقب ذلك شبه مدوٍ. أغمضت عينيها للحظة، تاركة تأرجح الأمواج على الصخور البعيدة يهدئ العاصفة داخلها. *ثلاثة أشهر*، تذكرت. ثلاثة أشهر منذ أن دمر رافائيل كل شيء بجملة قالها بأكثر نبرة عابرة في العالم: *«أعتقد أننا بحاجة لبعض الوقت.»* كما لو أن الحب كان قطعة أثاث يمكن تفكيكها وحفظها في العلية عندما يمل المرء شكلها. مع تنهيدة، فتحت الباب واستقبلها هواء رطب ومالح. كان المطر يتساقط على شعرها البني، يلصق الخصلات بجبينها ورقبتها، بينما ركضت إلى الباب الأمامي، تسحب حقيبتها ذات العجلات خلفها كحيوان متردد. أدارت المفتاح في القفل بصوت *نقرة* مرضية، وعندما دفعت الباب، لفحتها رائحة الخشب الملمع وشمع العسل كعناق. كان المنزل تماماً كما تذكرته: العوارض المكشوفة في السقف، الأثاث ذو الخطوط النظيفة، الأريكة من الكتان الفاتح التي كان رافائيل يقول دائماً إنها *«جميلة جداً للجلوس عليها»*. تركت كلارا الحقيبة على الأرض وأشعلت المدفأة الغازية بضغطة على المفتاح. رقصت ألسنة اللهب الزرقاء على جذوع الأشجار المزيفة، مرسمة ظلالاً متحركة على الجدران. خلعت حذاءها المبلل ومشيت إلى المطبخ المفتوح، تمرر أصابعها على سطح الرخام البارد. كانت الثلاجة مليئة—كانت قد طلبت من مدبرة المنزل أنเตئ كل شيء—وكانت هناك زجاجة نبيذ أحمر مفتوحة على الطاولة، مع ملاحظة مثبتة بمغناطيس: *«للأيام التي تستحق النسيان. بحب، أنا.»* ابتسمت كلارا، رغم كل شيء. كان رافائيل يعرف دائماً كيف يتوقع احتياجاتها، حتى عندما لم يعودا معاً. سكبت كأساً كبيرة وأحضرت الكأس إلى شفتيها، تاركة السائل الكثيف يحرق حلقها بطريقة جيدة. انتشر الكحول في جسدها كبلسم، مريحاً عقد التوتر التي كانت تحملها في كتفيها. عندئذ سمعت. جاء صوت مكتوم، كاد يبتلعه العاصفة، من الشرفة. عبست كلارا وتقدمت نحو الباب الزجاجي المنزلق. هناك، بين المطر والظلام، تحركت شخصية. ظل طويل، مبلل، بشعر داكن ملتصق بجبينه وقميص أبيض ملتصق بجسده كجلد ثانٍ. قفز قلبها، ولثانية، فكرت في التراجع، في التظاهر بأنها لم تره. لكن رافائيل كان قد رآها بالفعل. عيناه—تلك العيون الخضراء التي تعرفها جيداً، القادرة على التحول من الرقة إلى الشغف في غمضة عين—ثبتتا عليها عبر الزجاج. رفع يده، متردداً، كما لو يطلب الإذن. لم تتحرك كلارا. كان المطر يهطل بشكل مائل، يضرب وجهه، ولم يبعد رافائيل نظره. كان هناك شيء يائس في وقفته، شيء لم تره منذ آخر مرة مارسا فيها الحب، قبل ثلاثة أشهر، في شقته، بعد شجار عنيف حول مواعيد المشروع. *«أنت تعامليني كأنني عبء»*، صرخت، بينما كان يسحبها إلى السرير، يسكتها بقبلات مذاقها ويسكي وندم. الآن، كان هناك. مبللاً. مصمماً. أخذت كلارا نفساً عميقاً وفتحت الباب. دخلت الريح أولاً، حاملة معها رائحة البحر والأرض المبللة، ثم عبر رافائيل العتبة، يقطر ماء على أرضية الخشب. لم يقل شيئاً. بقي هناك فقط، واقفاً، ذراعاه على جانبيه، كما لو لم يكن يعرف ماذا يفعل بهما. شعرت كلارا بحرارة النبيذ ترتفع إلى وجنتيها، ممزوجة بشيء أقدم، وأكثر خطورة. *غضب*، قالت لنفسها. *هذا مجرد غضب.* — ماذا تفعل هنا؟ — خرج صوتها أكثر برودة مما أرادت. مرر رافائيل يده على وجهه، مسح الماء عن عينيه. — حاولت الاتصال. أرسلت رسائل. لم تردي. — لأنني لم أكن أريد التحدث معك. — أعرف. — تقدم خطوة إلى الأمام، وتراجعت كلارا غريزياً. — لكنني كنت بحاجة لرؤيتك. — لماذا؟ تعلقت السؤال بينهما، محملاً بكل ما لم يُقل. نظر رافائيل حوله، كما لو يبحث عن الكلمات في ديكور الغرفة البسيط. ثم عادت عيناه إليها، وشعرت كلارا بثقل ذلك النظرة كمداعبة غير مرغوب فيها. — لأنني لا أستطيع التوقف عن التفكير فيك — قال أخيراً. — ولا لثانية واحدة. ضحكت، صوت قصير وخالي من الفرح. — هذا سخيف. أنت من أنهى كل شيء. — أعرف. — تقدم خطوة أخرى، وكان الآن قريباً بما يكفي لتشعر برائحة بشرته، صابون ممزوج بملح البحر. — وكان أكبر خطأ في حياتي. طوت كلارا ذراعيها، كما لو تستطيع حماية نفسها من تلك القرب، من ذلك الصوت الأجش الذي كان يعرف دائماً كيف يجعلها ترتجف. — لا يمكنك الظهور هنا هكذا، بعد ثلاثة أشهر، والتفكير في أن كل شيء سينحل باعتذار. — أنا لا أطلب اعتذاراً — همس رافائيل، وأصابعه لامست معصمها، خفيفة كالريشة. — أطلب فرصة. كان يجب أن تبتعد. كان يجب أن تقول لا، تغلق الباب في وجهه، تعود إلى النبيذ والوحدة التي اختارتها. لكن الكلمات ماتت في حلقها عندما أمسك رافائيل وجهها بين يديه، وإبهاماه يرسمان دوائر بطيئة على وجنتيها. أغمضت كلارا عينيها، شعرت بحرارة بشرته، خشونة الكالو على راحتيه—كالو الذي تعرفه جيداً، والذي كان قد تجول في كل سنتيمتر من جسدها. — كلارا — همس، وصوت اسمها في فمه كان كعود ثقاب يشتعل في الظلام. فتحت عينيها. كان رافائيل قريباً جداً لدرجة أنها تستطيع رؤية قطرات المطر تتساقط على رقبته، تختفي تحت ياقة القميص المبلل. كان ينتظر. ينتظر أن تدفعه بعيداً، أن تصرخ، أن تفعل أي شيء سوى أن تبقى هناك، بلا حراك، وقلبها ينبض بقوة لدرجة الألم. ثم فعلت الشيء الوحيد الذي لم يكن يجب أن تفعله. اقتربت. شعرت كلارا بثقل جسدها ضد جسده قبل حتى أن تدرك أنها تحركت. تكثف الهواء بينهما، كثيفاً كرطوبة العاصفة، ولثانية، لم يتنفس أي منهما. ثم وجدت شفاه رافائيل شفتيها، ليس بشدة رجل يائس، بل ببطء من يعرف أن الوقت، الآن، ملك لهما. كانت قبلة بدأت بلطف، تقريباً بخجل، كما لو كان لا يزال يشك في أنها ستسمح له بالاستمرار. لكن كلارا لم تدفعه بعيداً. بدلاً من ذلك، صعدت يديها إلى كتفيه، متمسكة بالقميص المبلل، تسحبه أقرب، كما لو يمكنها دمج جسديهما هناك بالذات، على عتبة الباب. عندما افترقا، كان صوت أنفاسهما هو الصوت الوحيد إلى جانب عواء الريح على النوافذ. لم يبتسم رافائيل، لكن عينيه كانتا تلمعان بشيء يتجاوز الارتياح—شيء أكثر خطورة، وأكثر عمقاً. رفع إحدى يديه، متردداً، وأبعد خصلة شعر مبللة عن وجهها، أصابعه تتأخر على منحنى رقبتها. — أنت ترتجفين — همس. لم ترد كلارا. لم تكن بحاجة لذلك. لم يكن الارتجاف من البرد. تراجع رافائيل خطوة إلى الوراء، فقط بما يكفي لتتمكن من إغلاق الباب. دوى صوت الخشب وهو يغلق صدى في المنزل، خافتاً للحظة صوت العاصفة. كانت الغرفة شبه مظلمة، مضاءة فقط بالضوء الكهرماني لمصباح قديم في الزاوية، وبوميض البرق العرضي الذي يخط السماء. كانت رائحة القهوة الطازجة لا تزال معلقة في الهواء، ممزوجة برائحة الخشب الرطب والعطر الحمضي الذي كانت كلارا تربطه دائماً برافائيل—عطر أقسمت أنها نسيته، لكنه الآن يغزو حواسها بقوة ذكرى جسدية. خلع معطفه، وتركه يسقط على ظهر كرسي، وللحظة، لم تستطع كلارا سوى التحديق في قطرات الماء التي تتساقط على ذراعيه، تحدد العضلات تحت القميص الأبيض، الشفاف تقريباً من شدة البلل. كان رافائيل يراقبها بنفس الشدة، كما لو يحاول حفظ كل تفاصيلها—طريقة التصاق البلوزة الرقيقة بثدييها، منحنى الوركين تحت الجينز، القدمين الحافيتين تغوصان في السجادة الفروية. — لقد أعددت القهوة — قال أخيراً، كاسراً الصمت. طوت كلارا ذراعيها، كما لو يمكن لذلك أن يحميها من الضعف الذي شعرت به. — لم أكن أعرف أنك ستأتي. — ولا أنا. دوى الرعد، جعل النوافذ ترتجف. لم يخف رافائيل. كان معتاداً على العواصف، على الليالي الطويلة، على لحظات كهذه—لحظات يبدو فيها العالم مقتصراً على جسدين والمسافة الضيقة بينهما. تقدم خطوة إلى الأمام، ولم تتراجع كلارا. بدلاً من ذلك، رفعت ذقنها، تتحداه. — ماذا تريد، رافائيل؟ تعلقت السؤال في الهواء، محملاً بالمعاني المزدوجة. كان يعرف ذلك. هي أيضاً. لم يجب رافائيل فوراً. بدلاً من ذلك، مد يده، وأصابعه لامست معصمها بخفة، ترسم خطاً وهمياً حتى المرفق. حبست كلارا أنفاسها. كان اللمس خفيفاً، يكاد لا يُحس، لكنه أحرق كالجمر. — أريد التحدث — قال، صوته أجش. — أريد أن أفهم كيف وصلنا إلى هنا. — وصلنا إلى هنا لأنك قررت الظهور في منزلي وسط عاصفة. — وصلنا إلى هنا لأننا لم نتمكن من المضي قدماً. أطلقت كلارا ضحكة جافة، لكنها لم تبتعد. الحقيقة هي أنها لم تتمكن أيضاً. حتى بعد أشهر من الصمت، من الليالي بلا نوم، من محاولة إقناع نفسها بأن ما تشعر به تجاهه كان مجرد بقايا عاطفة قديمة، ها هي تسمح له بلمسها، بغزو مساحتها، رائحته، عقلها. — هل تعتقد أن القهوة ستحل هذا؟ — سألت، مشيرة إلى المطبخ بحركة من رأسها. ابتسم رافائيل، ابتسامة بطيئة وخطيرة. — لا. لكنها بداية. استدار نحو المطبخ، وتبعت كلارا، رغم أن كل جزء من جسدها كان يصرخ عليها بالبقاء ساكنة. امتد ضوء الغرفة إلى الممر، مضيئاً الطريق جزئياً، وللحظة، تذكرت كل المرات التي فعلوا فيها ذلك بالضبط—هو يتقدم، وهي تتبعه، منجذبة إلى شيء لا تستطيع تسميته. كانت المطبخ صغيرة ودافئة، بخزائن من خشب فاتح وكونتر من الرخام الذي اختارت كلارا بنفسها. توقف رافائيل بجانب آلة القهوة، يصب فنجانين بحركات دقيقة، كما لو كان يعرف كل زاوية من هذا المكان. مد لها واحداً، وقبلته كلارا، أصابعها تلامس أصابعه لثانية أطول من اللازم. كانت أول رشفة مرة وقوية، تماماً كما تحب. كان رافائيل يراقبها من فوق حافة فنجانه، عيناه الداكنتان مثبتتان عليها بشدة تجعلها تشعر بالتعري. حولت كلارا نظرها، مثبتة إياه على النافذة فوق الحوض. في الخارج، كان المطر يضرب الزجاج في موجات غاضبة، وللحظة، تساءلت عما إذا كان قد أتى بالسيارة أم واجه العاصفة سيراً على الأقدام، كالمجنون. — هل جئت إلى هنا بالسيارة في هذا الطقس؟ — سألت، محاولة أن تبدو عابرة. هز رافائيل كتفيه. — كنت بحاجة لرؤيتك. — لماذا؟ — لأنني لم أعد أحتمل عدم رؤيتك. تعلقت الكلمات بينهما، ثقيلة ومشحونة بالمعنى. شعرت كلارا بالحرارة ترتفع في رقبتها، تحرق وجنتيها. وضعت الفنجان على الكونتر بقوة أكبر مما أرادت، وتناثر السائل الداكن قليلاً. — هذا ليس عادلاً — همست. — ما الذي ليس عادلاً؟ — ظهورك هكذا، بعد أشهر، والتفكير في أن كل شيء سينحل باعتذار. وضع رافائيل فنجانه بجانب فنجانها وتقدم خطوة، يقلص المسافة بينهما. تراجعت كلارا غريزياً، لكن الكونتر منعها من الذهاب أبعد. لم يلمسها. ليس بعد. لكنه كان قريباً بما يكفي لتشعر بحرارة جسده، لترى طريقة ارتفاع صدره وانخفاضه مع أنفاسه، لتدرك كيف تجول عيناه على وجهها، كما لو يحاول فك لغز. — لم آتِ لألعب، كلارا — قال، صوته منخفض، يكاد يكون همساً. — جئت لأنني لم أعد أستطيع التظاهر بأنني لا أفتقدك. لأنني في كل مرة أدخل في مشروع، يكون اسمك هو ما يأتي إلى ذهني. لأنني في كل مرة أرى منزلاً جميلاً، أتساءل كيف كنت سترسمينه. لأنني أحلم بك. بنا. أغمضت كلارا عينيها لثانية، تحاول السيطرة على موجة المشاعر التي تهدد بالفيضان. عندما فتحتهما مرة أخرى، كان رافائيل أقرب، أنفاسه الحارة تمتزج بأنفاسها. — وماذا تتوقع مني أن أفعل بهذا؟ — سألت، صوتها مرتجف. رفع رافائيل يده، متردداً، وهذه المرة، عندما لمست أصابعه وجهها، لم تبتعد كلارا. رسم خط فكها، محيط شفتيها، كما لو يستعيد كل التفاصيل. — أتوقع أن تخبريني بالحقيقة — همس. — أن تعترفي بأنك تفتقديني أيضاً. بأنك ما زلت تريديني. بأنك ما زلت تحبينني. شعرت كلارا بأن الهواء ينقطع. كانت الكلمات هناك، على طرف لسانها، جاهزة لأن تُقال. لكن شيئاً ما أوقفها. الخوف، ربما. الكبرياء. أو ببساطة حقيقة أنه إذا قالت ذلك بصوت عالٍ، لن يكون هناك عودة. بدلاً من ذلك، انحنت إلى الأمام، ألصقت شفتيها بشفتيه في قبلة لم تكن فيها أي خجل. كانت قبلة جوع، إلحاح، كل الأشياء التي لم تستطع قولها. رد رافائيل بالمثل، يداه تنزلقان إلى خصرها، تسحبانها إليه بقوة. تأوهت كلارا ضد فمه، الصوت مكتوم بمطر الخارج، وللحظة، لم يكن هناك شيء سوى تلك الحرارة، ذلك الشوق، تلك الحاجة الساحقة لأن يضيعا في بعضهما البعض. لكن رافائيل ابتعد حينها، فقط بما يكفي ليلمس جبينها بجبينه، عينيه مغلقتين، أنفاسه غير منتظمة. — لا يمكننا فعل هذا مرة أخرى — قال، صوته أجش. — ليس إذا لم يكن حقيقياً. فتحت كلارا عينيها، نظرت إليه بشدة جعلته يحبس أنفاسه. — وماذا لو كان حقيقياً؟ لم يجب رافائيل. بدلاً من ذلك، أمسك وجهها بين يديه وقبّلها مرة أخرى، هذه المرة بحنان جعل صدر كلارا يؤلمها. عندما افترقا، أسند جبينه إلى جبينها، أصابعه لا تزال تداعب بشرتها. — إذن سنتحدث — همس. — بصدق. أومأت كلارا، رغم أنها كانت تعرف أن الكلمات لن تكون كافية. ليس الآن. ليس بعد كل شيء. وعندما سحبها رافائيل من يدها، عائداً إلى الغرفة حيث كان ضوء المصباح يرسم ظلالاً راقصة على الجدران والريح لا تزال تعوي في الخارج، عرفت أن الحديث الذي يحتاجان إليه لن يكون مجرد كلمات. كان المطر يضرب النوافذ كأصابع غير صبورة، ملحة، بينما كانت كلارا تتبع رافائيل إلى الأريكة من الكتان البالي، حيث كان الضوء الكهرماني للمصباح يرسم هالات ذهبية على الخشب الداكن لطاولة القهوة. كان القهوة، الآن بارداً تقريباً، ينبعث منه رائحة ترابية اختلطت برائحة الهواء المالح والجلد المبلل—عطر تعرفه جيداً، يجعلها تتذكر الليالي التي كان العرق والملح يختلطان بين الملاءات المجعدة. خلع معطفه المبلل، وتركه يسقط على ذراع الأريكة بصوت مكتوم، وللحظة، ظلت كلارا مسحورة بالطريقة التي التصق بها القميص الأبيض بجسده، محددا العضلات التي كانت قد تجولت عليها بشفتيها. — أنت ترتجفين — همس رافائيل، صوته منخفض، يكاد يبتلعه زئير الريح. طوت ذراعيها، كما لو يمكن لذلك أن يكبح الارتجاف الذي لم يكن من البرد. — إنه مجرد الصدمة لرؤيتك هنا. بعد أشهر. — أستحق ذلك. — مرر يده في شعره الداكن، لا يزال يقطر، ولاحظت كلارا كيف نمت خصلاته منذ آخر مرة، كما لو أن الزمن نفسه استسلم للمسافة بينهما. — لكن لم يكن ذلك لعدم رغبتي في المجيء من قبل. — كان بسبب الكبرياء إذن؟ — رفعت ذقنها، لكن صوتها خرج أقل ثباتاً مما أرادت. ضحك رافائيل ضحكة قصيرة، بلا مرح. — الكبرياء، الخوف، الخجل... اختر. — اقترب، ببطء، كما لو كانت حيواناً خائفاً قد يفر في أي لحظة. — لكنني الآن هنا. ولن أغادر دون أن أقول لك ما كان يجب أن أقوله في تلك الليلة، عندما رميت أغراضي على الرصيف. شعرت كلارا بضيق في صدرها. تذكرت تلك الليلة بوضوح مؤلم: المطر الخفيف، رائحة الأرض المبللة، صناديق الورق المقوى المتهالكة تحت أقدامها بينما كان يصرخ بشيء لم ترد سماعه. لكن ما آلم أكثر لم تكن الكلمات، بل الصمت الذي تبعها. الفراغ من الاستيقاظ وحدها، من إدراك أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لن يكون هناك من يسرق البطانية أو يترك المنشفة المبللة على السرير. — أنا أسمعك — قالت أخيراً، وتراجعت إلى الكرسي بجانب المدفأة المطفأة. كانت بحاجة إلى مسافة. بحاجة إلى شيء صلب بينهما. لم يجلس رافائيل. بقي واقفاً، يديه مدفونتين في جيوب بنطاله الجينز، كتفيه مشدودتين تحت القماش المبلل. — أخطأت، كلارا. ليس فقط معك، بل معي أيضاً. قضيت سنوات أؤمن بأن النجاح المهني هو الشيء الوحيد الذي يهم، وأنه إذا كرست نفسي بما يكفي، فإن الباقي... — تردد، يبحث عن الكلمات. — الباقي سينظم نفسه. لكنك رحلت، وفجأة أدركت أنني لم أعد أملك أحداً لأريه المشاريع، أحداً يضحك على نكاتي السخيفة حول العوارض والبناء. أحداً يذكرني أنني لست مجرد اسم على لوحة برونزية. حولت نظرها، مثبتة إياه على ألسنة اللهب الخيالية للمدفأة. — كان لديك عائلتك. أصدقاؤك. — لم يكن الأمر نفسه. — تقدم خطوة، ثم أخرى، حتى كادت ركبتاه تلامسان ركبتيها. — معهم، كنت أستطيع التظاهر بأن كل شيء على ما يرام. معك... — تعثر صوته. — معك، لم أكن بحاجة إلى التظاهر قط. أغمضت كلارا عينيها لثانية، شعرت بثقل تلك الكلمات يستقر عليها كيد دافئة. تذكرت الليالي التي كان يعود فيها متأخراً من المكتب، مرهقاً، وكانت تنتظره بكأس من النبيذ وصحن من الجبن الذائب، كما لو كان ذلك يمكن أن يعوض التعب. تذكرت كيف كان يسحبها إلى حجره، يدفن وجهه في رقبتها، وكيف كانت تضحك عندما يهمس بأشياء لا معنى لها عن الزوايا والنسب، كما لو كان جسدها مشروعاً لم يتقنه بعد. — اشتقت إليك أيضاً — اعترفت، قبل أن تتمالك نفسها. خرجت الكلمات منخفضة، تكاد تكون همساً، لكنها ترددت بينهما كصاعقة. أومأ رافائيل، عينيه لا تفارقان عينيها. — إذاً لماذا لم تردي على اتصالاتي؟ لماذا لم تردي على أي من رسائلي؟ — لأنني كنت بحاجة إلى معرفة ما إذا كان حقيقياً. — أمسكت كلارا بذراع الكرسي بقوة، أظافرها تنغرس في القماش. — لأنني في كل مرة أفكر فيك، أتذكر كيف كان سهلاً أن نضيع في بعضنا البعض. ولم أعد أريد أن أضيع، رافائيل. أردت أن أجد نفسي. كان يعرف أنها على حق. الخوف من عدم الكفاية، من عدم القدرة على تحمل بعضهما البعض، من الضياع في الطريق. لكن هناك، في تلك الغرفة التي تفوح برائحة الملح والجنس، مع دفء شمس الصباح يسخن ظهورهما وصوت الأمواج يتكسر في البعيد، بدا الخوف صغيراً جداً مقارنة بما يشعران به. — وماذا لو أخطأنا مرة أخرى؟ — سألت، صوتها يكاد يكون همساً. أمسك رافائيل وجهها بين يديه، إبهاماه يداعبان وجنتيها. — سنخطئ — قال بصراحة جعلتها ترتجف. — لكن هذه المرة، سنخطئ معاً. دون هروب. دون أكاذيب. فقط... نحن. أغمضت كلارا عينيها لثانية، تركت الكلمات تستقر. عندما فتحتهما مرة أخرى، كان هناك قرار فيهما—وضوح لم تشعر به منذ أشهر. — حسناً — قالت ببساطة. — لكن إذا أخطأت مرة أخرى، سأرميك من الشرفة. ضحك رافائيل، صوت مليء بالراحة والوعد، ودحرجها معه في السرير، محاصراً إياها تحت جسده. — هل تعديني بأن تدفعيني عارياً؟ صفعت كتفه، ضاحكة، لكن الضحكة سرعان ما تحولت إلى أنين عندما عض رقبتها بلطف، أسنانه تخدش الجلد الحساس. — أحمق — همست، لكن يديها كانت بالفعل تسحبه أقرب، أظافرها تنغرس في ظهره. توقف للحظة، شفتيه تطفوان فوق شفتيها. — أحبك — قال، كما لو كان الأمر الأكثر طبيعية في العالم. — ولن أدعك تنسين ذلك. لم ترد كلارا بالكلمات. بدلاً من ذلك، لفّت ساقيها حول خصره، سحبته إليها بقوة جعلتهما يلهثان. تأوه رافائيل بصوت أجش، حيواني تقريباً، وعندما بدأ يتحرك، ببطء وعمق، كما لو كان يستمتع بكل ثانية، عرفت أنه كان على حق. لم يحتاجا إلى وعود كبيرة. ليس في تلك اللحظة. ما كانا يحتاجانه هو ذلك—دفء الأجساد المتشابكة، الأنفاس المختلطة، المتعة التي تنمو بينهما كالموجة، بطيئة ولا تقاوم. وضع رافائيل يديه على جانبي رأسها، عضلات ذراعيه مشدودة وهو يتحرك، وشهقت كلارا، قدمت نفسها له بخضوع لم يكن استسلاماً، بل ثقة. — انظري إليّ — طلب، صوته أجش، وعندما أطاعته، وجدت عينيه داكنتين بالشهوة، لكن أيضاً بشيء أعمق، يتجاوز الجسدي. — أريد أن أراك. وتركته يرى. تركته يرى كل شيء—المتعة، الضعف، الحب الذي لا يزال يحترق، رغم كل شيء. عندما أصابها النشوة، كان الأمر كما لو أن العالم كله تقلص إلى تلك الغرفة، ذلك السرير، ذلك الرجل الذي ينظر إليها كما لو كانت أغلى شيء رآه على الإطلاق. تبعها رافائيل بعد ثوانٍ، دفن وجهه في رقبتها وهو يستسلم، جسده يرتجف بقوة الإفراج. لبعض الوقت، لم يكن هناك سوى صوت الأنفاس المتقطعة وقلوبهما تنبض بقوة. دحرج رافائيل إلى جانبه، سحبها بين ذراعيه، ورأسها يستقر على صدره، تستمع إلى إيقاع قلبه الذي يعود ببطء إلى طبيعته. — إذاً — قال بعد فترة، صوته كسول. — ماذا نفعل الآن؟ ابتسمت كلارا على جلده، ترسم دوائر كسولة بأصابعها. — نبدأ من جديد — قالت ببساطة. — بدون عجلة. بدون توقعات. فقط... نحن. قبل رافائيل قمة رأسها، شفتيه تتأخران في شعرها. — أحب هذا الخطة. رفعت وجهها، وجدت عينيه. — وأنا أيضاً. وعندما قبلها مرة أخرى، هذه المرة بحنان جعل صدرها يؤلمها، عرفت كلارا أنه، للمرة الأولى منذ وقت طويل، كانت في المكان الذي يجب أن تكون فيه. لم تكن هناك ضمانات، ولا يقينيات—فقط هما، البحر في الخارج، والوعد الصامت بأنهما، هذه المرة، سيجعلان الأمر ينجح. كانت الشمس قد ارتفعت عندما نهضا أخيراً، أجسادهما لا تزال كسولة، أرواحهما خفيفة. أعد رافائيل القهوة بينما كانت كلارا تستحم بسرعة، وعندما خرجت من الحمام، ملفوفة بمنشفة، وجدته على الشرفة، فنجانين من القهوة الساخنة في يديه. — فكرت في البقاء هنا لبضعة أيام أخرى — قال، يناولها أحد الفنجانين. — إذا لم تمانعي. أخذت كلارا القهوة، أصابعها تلامس أصابعه. — سأحب ذلك. وقفا جنباً إلى جنب، يراقبان البحر يمتد حتى الأفق، الريح تعبث بشعرها بينما الشمس تدفئ بشرتيهما. لم تكن هناك عجلة. لم يكن هناك شيء سوى تلك اللحظة، تلك السكينة، تلك اليقين الصامت بأنهما، معاً، يستطيعان مواجهة أي شيء. — إذاً — قال رافائيل بعد فترة، ابتسامة تلعب على شفتيه. — نبدأ من جديد الليلة؟ ضحكت كلارا، صوتها خفيف وسعيد، واقتربت منه، تضع ذراعيها حول خصره. — فقط إذا وعدتني ألا تسرق البطانيات مرة أخرى. جذبها إليه في قبلة طويلة وحلوة، وعندما ابتعد، كانت عيناه تلمعان بوعد. — أعدك. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، صدقت كلارا.

🔥 Keep the fantasy going

Chat, tease and live out your desires with an AI girlfriend available 24/7 - she is up for anything you imagine.

Meet your AI girlfriend →

Publicidade +18